نخبة من الأكاديميين

116

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

مدينة بالرمو أو مسينة أو انطرابنش وغيرها من المدن الصقلية ، وبقي هناك فترة يرقب عن كثب مظاهر الحضارة المادية والروحية للمسلمين « 1 » . 2 - إن المادة التي يقدمها حول مسلمي جزيرة صقلية تقوم على المشاهدة والمعاينة ، ولذلك فنصوصه تعتبر وثيقة حية ومباشرة ترقى إلى مستوى المصداقية ، خاصة إذا علمنا أنه كان رجلا له نصيب لا يستهان به من الفقه ، وأنه كان آنذاك في قمة نضجه ، حيث كان عمره عند زيارة الجزيرة حوالي 41 سنة ، وهو فضلا عن ذلك يتميز - كما أثبت الدارسون - بقوة الملاحظة وملكة النقد والجرأة في إصدار الأحكام نظرا لخبرته في الحياة ، بحكم عمله وخبرته وسنه « 2 » . 3 - غزارة المادة التاريخية التي يقدمها حول صقلية عموما وحول الأقلية الإسلامية التي كانت تعيش في مختلف مدن الجزيرة ؛ فمن خلال المادة التي يقدمها عنها ، يتضح أنه كان يتحدث حولها حديث العالم المطلع المتمكن ، فهو يصف مساحتها الجغرافية وصفا دقيقا إذ يقول : « وطول هذه الجزيرة ( صقلية ) سبعة أيام وعرضها مسيرة خمسة أيام » . كما يصف تضاريسها ، خاصة جبل البركان المشهور بها ، ويصف ما فيها من خيرات زراعية وفواكه وأشجار « 3 » . 4 - أما بخصوص نوازل الونشريسي ، فإنها تندرج في خانة المصادر التي لم تعد أهميتها تخفى على كل من عارك التاريخ الاجتماعي للغرب الإسلامي ، فإذا كانت النازلة تعني الحوادث التي تستدعي حكما شرعيا وتحتاج إلى فتوى تبينها ، سواء أكانت هذه الحوادث متكررة أم نادرة الحدوث « 4 » ، فإن نوازل الونشريسي تتميز بجمعها بين الواقع والفقه ، أو الفقه " التطبيقي " ، مما يعطي بعدا تاريخيا لنوازله . 5 - ولحسن الحظ ، فإن الونشريسي المتوفى سنة 914 ه - ، أورد بعض النوازل التي تهم صقلية ، وتتنوع بين وضعية المسلمين في هذه الجزيرة ، خاصة من ناحية الأحكام القضائية ، ورحلات التجار المسلمين إلى صقلية وترددهم عليها ، وما نجم عن ذلك من مشاكل صرف العملات ، وموقف الفقهاء من مثل تلك القضايا التي تنتمي زمنيا إلى نفس الفترة التي رحل خلالها ابن جبير إلى صقلية . 6 - أما الاعتبار الخاص في الجمع بين رحلة ابن جبير ونوازل الونشريسي ، فإن ما يبرره يكمن في اشتراك المصدرين معا في معالجة وضعية الأقلية الإسلامية في صقلية من ناحية ، ثم تكامل النصوص بينهما ، إذ إن رحلة ابن جبير تعكس وصفا حيا للطائفة الإسلامية في صقلية ، بينما تعكس نوازل الونشريسي بعض القضايا الفقهية التي تجيب عن ذلك الواقع كمسألة هجرة المسلمين من الجزيرة وهل تجب شرعا أم لا . بناء على ما سلف ، نتساءل : ما هي الصورة التي قدمها لنا المصدران السابقان حول وضعية الأقلية المسلمة في جزيرة صقلية ؟ أماكن استقرار الأقلية الإسلامية في صقلية ووضعيتها الاجتماعية : يرجع الفضل إلى ابن جبير في الكشف عن مناطق استقرار المسلمين في المدن الصقلية ، وعن حجم

--> ( 1 ) . حسني محمود حسين : أدب الرحلة عند العرب ، دار الأندلس ، بيروت 1983 ( ط 2 ) ، ص 29 . ( 2 ) . نفسه ، ص 266 . ( 3 ) نفسه ، ص 226 . ( 4 ) عبد الناصر أبو البصل « المدخل إلى فقه النوازل » ، مجلة أبحاث اليرموك ، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية ، مجلة 13 ، العدد 1 ( أ ) ، 1997 ، ص 124 .